السيد كمال الحيدري
355
المعاد روية قرآنية
بدلها أيضاً . ولربّ قائل يقول : فلماذا لا نحسّ بهذه النار الآن ؟ والجواب : إنّ هناك من الشواغل في الحياة الدُّنيا ما يشغل الإنسان عن الالتفات إلى هذه الحقيقة ، وإنّه سيفهم فيما بعد أنّه كان في النار حقّاً ، لا أنّه سوف يدخلها آنذاك . لذا نجد القرآن يقول : لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ( الأعراف : 179 ) . وفى الحياة الدنيويّة أمثلة كثيرة لآلام لا نلتفت إليها إلّا بعد مدّة من حدوثها ، وما ذلك إلّا لانشغالنا عنها وعدم التفاتنا إليها في وقت تحقّقها . الحاجة إلى المعصوم في معرفة باطن الأعمال ممّا تقدّم تبيّن أنّ لكلّ من الظاهر والباطن أحكامه الخاصّة به ، فقد يكون ظاهر العمل لذيذاً كأكل مال اليتامى ولكن باطنه نار ، وقد يكون هذا الظاهر مؤلماً وشاقّاً كالصبر على الصلاة والصوم والجهاد والقتل في سبيل الله ولكن باطنه لذيذ وصورة من أبهى الصور التي يراها الإنسان في النشأة الأخرى ، لذا ورد : « إنّ الجنّة حفَّت بالمكاره ، وإنّ النار حفَّت بالشهوات » « 1 » . فلا يمكن الركون إلى ظواهر الأعمال ، بل لابدّ من التعرّف على بواطنها لنتعرّف على حقيقتها . إنّ الذي بإمكانه إخبارنا عن هذه البواطن هو القرآن الكريم والمعصوم عليه السلام فقط ، وبهذا نستدلّ على حاجتنا الأكيدة إليه عليه السلام في مسيرتنا نحو الحقّ تبارك وتعالى .
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة : 111 .